αηғαs αlωαrd
15-12-2010, 08:39 PM
❀--✿
وَقْفَة تَأَمُّل مَع قَوْلُه تَعَالَى: (لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن)
إِعْدَاد
عَبْد الْلَّه بْن حُمَيْد الْفْلاسِي
بِسْم الْلَّه الْرَّحْمَن الْرَّحِيْم
الْحَمْد لِلَّه رَب الْعَالَمِيْن، وَالْصَّلاة وَالْسَّلام عَلَى أَشْرَف الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسَلِيِن، أَمَّا بَعْد:
فَفِي هَذَا الْمَقَال سَأَقِف وِقْفَة تَأَمَّل مَع قَوْلُه تَعَالَى: ((لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن)) [الْبَقَرَة: 256] وَالْسَّبَب فِي ذَلِك: مَا ذَهَب إِلَيْه الْبَعْض فِي تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة، فَمِنْهُم مَّن أَنُزَالَهَا فِي غَيْر مَحَلِهَا، وَمِنْهُم فَسَّرَهَا الْتَّفْسِيْر الْمَرْجُوْح، وَالْلَّه الْمُوَفِّق وَالْهَادِي إِلَى سَوَاء الْسَّبِيل.
يُخْبِر سُبْحَانَه وَتَعَالَى فِي هَذِه الْآَيَة أَنَّه لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن لِعَدَم الْحَاجَة إِلَى الْإِكْرَاه عَلَيْه؛ لِأَن الْإِكْرَاه لَا يَكُوْن إِلَّا عَلَى أَمْر خَفِيَّة أَعْلَامَه، غَامِضَة أَثَارَه، أَو أَمْر فِي غَايَة الْكَرَاهَة لِلْنُّفُوس، وَأَمَّا هَذَا الْدِّيْن الْقَوِيم وَالْصِّرَاط الْمُسْتَقِيْم فَقَد تَبَيَّنَت أَعْلَامَه لِلْعُقُوْل، وَظَهَرَت طُرُقِه، وَتَبَيَّن أَمْرِه، وَعُرِف الرُّشْد مِن الْغَي، فَالْمُوَفَّق إِذَا نَظَر أَدْنَى نَظَر إِلَيْه آَثَرَه وَاخْتَارَه، وَأَمَّا مَن كَان سَيِّئ الْقَصْد فَاسِد الْإِرَادَة، خَبِيْث الْنَّفْس يُرَى الْحَق فَيَخْتَار عَلَيْه الْبَاطِل، وَيُبْصِر الْحَسَن فَيَمِيْل إِلَى الْقَبِيْح، فَهَذَا لَيْس لِلَّه حَاجَة فِي إِكْرَاهِه عَلَى الْدِّيْن، لِعَدَم الْنَّتِيجَة وَالْفَائِدَة فِيْه، وَالْمَكْرَه لَيْس إِيْمَانُه صَحِيْحا.
❀--✿
وَقَد اخْتُلِف الْمُفَسِّرُوْن فِي تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة إِلَى سِتَّة أَقْوَال، وَهِي كَالْتَّالِي:
الْقَوْل الْأَوَّل: هَذِه الْآَيَة مَنْسُوْخَة، وَإِنَّمَا نـزِلْت قَبْل أَن يُفْرَض الْقِتَال، وَرُوِي هَذَا عَن ابْن مَسْعُوْد وَكَثِيْر مِن الْمُفَسِّرِيْن .
الْقَوْل الْثَّانِي: لَا يُكْرَه أَهْل الْكِتَاب عَلَى الْدِّيْن إِذَا بَذَلُوْا الْجِزْيَة، وَلَكِنَّهُم يُقِرُّون عَلَى دِيْنِهِم. وَقَالُوْا: الْآَيَة فِي خَاص مِن الْكُفَّار، وَلَم يُنْسَخ مِنْهَا شَيْء، وَهُو قَوْل الْشَّعْبِي وَقَتَادَة وَحَسُن وَالْضَّحَّاك .
الْقَوْل الْثَّالِث: نَزَلَت فِي الْمَرْأَة مِن أَهْل الْمَدِيْنَة كَان لَا يَعِيْش لَهَا وَلَدَا، فَكَانَت تُنْذِر وَتَقُوْل: إِن عَاش لِي وَلَد لأَهُودِنّه، فَإِذَا عَاش لَهَا وَلَد، جَعَلْتَه بَيْن الْيَهُوْد، فَلَمَّا جَاء الْإِسْلَام، وَأَجْلَى رَسُوْل الْلَّه بَنِي الْنَّضِيْر إِلَى الْشَّام، بَقِي بَيْنَهُم عَدَد مِن أَوْلَاد الْأَنْصَار قَد هَوَّدُوا، فَاسْتَأْذَنُوا رَسُوْل الْلَّه فِي اسْتِرْدَادَهُم، فَنَزَلَت الْآَيَة (لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن) فَمَن شَاء مِنْهُم أَن يُدْخَل فِي الْإِسْلَام فَلْيَدْخُل، وَمَن لَم يَشَأ فَلَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن، وَرُوِي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَهُو قَوْل سَعِيْد بْن جُبَيْر، وَمُجَاهِد.
الْقَوْل الْرَّابِع: نـزِلْت هَذِه الْآَيَة فِي رَجُل مِن الْأَنْصَار، يُقَال لَه: أَبُو حُصَيْن كَان لَه ابْنَان، فَقَدِم تُجَّار مِن الْشَّام إِلَى الْمَدِيْنَة يَحْمِلُوْن الْزَّيْت، فَلَمَّا أَرَادُوْا الْخُرُوْج أَتَاهُم ابْنَا الْحُصَيْن، فَدَعَوْهُمَا إِلَى الْنَّصْرَانِيَّة، فتُنَصْرا وَمَضَيّا مَعَهُم إِلَى الْشَّام، فَأَتَى أَبُوْهُمَا رَسُوْل الْلَّه صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم مُشْتَكِيا أَمَرَهُمَا، وَرُغِّب فِي أَن يَبْعَث رَسُوْل الْلَّه صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم مَن يَرُدَّهُمَا، فَنَزَلَت
((لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن))، وَهُو قَوْل الْسُّدِّي.
الْقَوْل الْخَامِس: هُو لَا تَقُوْلُوْا لِمَن أَسْلَم تَحْت الْسَّيْف مُجْبَرَا مُكْرَهَا.
الْقَوْل الْسَّادِس: أَنَّهَا وَرَدَت فِي الْسَّبْي مَتَى كَانُوْا مِن أَهْل الْكِتَاب لَم يُجْبَرُوْا إِذَا كَانُوْا كِبَارَا، وَإِن كَانُوْا مَجُوْسا صِغَارَا أَو كُبَّارا أَو وَثَنِيِّيْن، فَإِنَّهُم يُجْبَرُوْن عَلَى الْإِسْلَام؛ لِأَن مَن سَبَاهُم لَا يُنْتَفَع بِهِم مَع كَوْنِهِم وَثَنِيِّيْن، لِأَنَّه لَا تُؤْكَل ذَبَائِحُهُم، وَلَا تُوْطَأ نِسَاؤُهُم، وَيَدِيْنُوْن بِأَكْل الْمَيْتَة وَالْنَّجَاسَات وَغَيْرِهِمَا، وَيُسْتَقْذَرِهُم الْمَالِك لَهُم، وَيَتَعَذَّر عَلَيْه الِانْتِفَاع بِهِم مِن جِهَة الْمَلِك، فَجَاز لَه الْإِجْبَار.
وَالْقَوْل الْرَّاجِح هُو مَا رَجَّحَه الْطَّبَرِي وَالْسَّعْدِي- رَحِمَهُمَا الْلَّه - وَهُو الْقَوْل الْثَّانِي، وَالْدَّلِيل عَلَى ذَلِك:
أَن الْنَّص لَا يُعْتَبَر نَاسِخَا إِلَا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوْخ، فَلَم يَجُز اجْتِمَاعِهِمَا. فَأَمَّا مَا كَان ظَاهِرَه الْعُمُوْم مِن الْأَمْر وَالْنَّهْي، وَبَاطِنَه الْخُصُوْص، فَهُو مِن الْنَّاسِخ وَالْمَنْسُوْخ بِمَعْزِل، وَلَيْس هُنَاك دَلِيْل عَلَى أَن تَأْوِيْل الْآَيَة عَلَى خِلَاف ذَلِك.
وَأَمَّا مَا نُقِل عَن الْنَّبِي صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَنَّه لَم يَقْبَل مِن قَوْم إِلَّا الْإِسْلَام، وَحُكْم بِقَتْلِهِم إِن امْتَنَعُوْا، فَهَذَا كَان لِعَبْدَة الْأَوْثَان مِن مُشْرِكِي الْعَرَب، وَكَالْمُرْتد عَن دِيْنِه دِيَن الْحَق إِلَى الْكُفْر وَمَن أَشْبَهَهُم، وَتَرْك الْإِكْرَاه وَقَبُوْل الْجِزْيَة لِأَهْل الْكِتَاب وَمَن أَشْبَهَهُم.
إِذَّا لَا مَعْنَى لِمَن قَال بِأَن هَذِه الْآَيَة مَنْسُوْخَة بِالْإِذْن بِالْقِتَال، وَلَا تُدِل الْآَيَة الْكَرِيْمَة عَلَى تَرْك قِتَال الْكُفَّار الْمُحَارِبِيْن، وَإِنَّمَا فِيْهَا أَن حَقِيْقَة الْدِّيْن مِن حَيْث هُو مُوَجَّب لِقَبُوْلِه لِكُل مُنْصِف قَصْدُه اتِّبَاع الْحَق، وَأَمَّا الْقِتَال وَعَدَمِه فَلَم تَتَعَرَّض لَه، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ فَرَض الْقِتَال مِن نُصُوْص أُخَر، وَلَكِن يَسْتَدِل بِهَذِه الْآَيَة الْكَرِيْمَة عَلَى قَبُوْل الْجِزْيَة مِن غَيْر أَهْل الْكِتَاب، كَمَا هُو قَوْل كَثِيْر مِن الْعُلَمَاء.
أَمَّا مَا رُوِي عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الْلَّه عَنْه - أَنَّهَا نَزَلَت فِي قَوْم مِن الْأَنْصَار أَرَادُوْا أَن يَكْرَهُوْا أَوْلَادُهُم عَلَى الْإِسْلَام، فَنَقُوْل:
الْآَيَة قَد تَنـزَل فِي خَاص مِن الْأَمْر، ثُم يَكُوْن حُكْمُهَا عَامّا فِي كُل مَا جَانَس الْمَعْنَى الَّذِي أُنـزِلْت فِيْه.
فَالْآَيَة نَزَلَت فِي قَوْم دَانُوَا بِدِيْن أَهْل الْتَّوْرَاة، قَبْل ثُبُوْت عَقْد الْإِسْلَام لَهُم، فَنَهَى الْلَّه تَعَالَى ذِكْرُه عَن إِكْرَاهِهِم عَلَى الْإِسْلَام، وَأَنـزَل بِالْنَّهْي عَن ذَلِك آَيَة يَعُم حُكْمُهَا كُل مَن كَان فِي مِثْل مَعْنَاهُم، مِمَّن كَان عَلَى دِيَن مَن الْأَدْيَان الَّتِي يَجُوْز أَخْذ الْجِزْيَة مِن أَهْلِهَا، وَإِقْرَارِهِم عَلَيْهَا.
وَبِهَذَا يَتَّضِح خَطَأ مَا قَالَه الْبَعْض مِن أَهْل الْأَهْوَاء وَغَيْرِهِم، عِنْد مُنَاقَشَتِه، وَبَيَان الْحِجَّة عَلَيْه، يَقُوْل: ((لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن))، ((لَكُم دِيْنُكُم وَلِي دِيَن))؛ لِأَن الدَّيْن الْإِسْلَامِي دِيَن وَاحِد، دِيَن مُتَكَامِل، عَقِيْدَتِه وَاحِدَه، لَا يُمْكِن أَن يَكُوْن دِيْنَا مُتَكَامِلَا، وَدِينَا نُسَخ بِه جَمِيْع الْأَدْيَان، وَفِي نَفْس الْوَقْت بِه هَذِه التَّعَدُّدِيَّة فِي الْعَقِيْدَة.
يَقُوْل الْشَّيْخ مُحَمَّد بْن صَالِح الْعُثَيْمِيْن - رَحِمَه الْلَّه – فِي تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة:
« ( لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن ) أَي لَا أَحَد يُكْرَه فِي دِيَن الْلَّه بَل مَن دَخَل فِي دِيَن الْلَّه دَخَلَه اخْتِيَارَا لِأَنَّه قَد تَّبَيَّن الرُّشْد مِن الْغَي فَأَي إِنْسَان يَتَأَمَّل الْإِسْلَام بِمَحَاسِنِه عُبَادَة وَأَدَبا وَخُلُقَا لَا بُد أَن يَدْخُل الْإِسْلَام مُخْتَارا لِأَنَّه فِطْرَة الْلَّه وَلِهَذَا قَال : ( قَد تَّبَيَّن الرُّشْد مِن الْغَي ) وَهَذِه الْجُمْلَة تَعْلِيْل لِلْحُكْم الْسَّابِق أَي :لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن لِأَنَّه تَبَيَّن الرُّشْد مِن الْغَي فَمَن دَخَل فِي الْدِّيْن دَخَلَه اخْتِيَارَا لَا بِإِكْرَاه وَلَيْس مَعْنَى الْآَيَة كَمَا يَظُن بَعْض الْنَّاس : لَا إِكْرَاه عَلَى الْدِّيْن وَأَن هَذِه الْآَيَة قَد نُسِخَت لِوُجُوْب الْجِهَاد .
لِأَن الْآَيَة لَا تَدُل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَل الْجِهَاد قَائِم لِمَن عَانَد وَاسْتَكْبَر وَأَمَّا مَن تَمْشِى عَلَى الْفِطْرَة فَلَا يَحْتَاج إِلَى جِهَاد وَلَا إِكْرَاه عَلَى الْدِّيْن وَالْمُرَاد بِالْدِّيْن هُنَا دِيَن مُحَمَّد صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِأَنَّه هُو الْدِّيْن الْمَقْبُوْل عِنْد الْلَّه قَال تَعَالَى (إِن الْدِّيْن عِنْد الْلَّه الْإِسْلام ) وَقَال تَعَالَى : ( وَمَن يَبْتَغ غَيْر الْإِسْلام دِيْنا فَلَن يُقْبَل مِنْه)... » أ.هـ
❀--✿
الْفَوَائِد الْمُسْتَفَادَة:
1- بَيَان كَمَال هَذَا الْدِّيْن، وَأَنَّه لِكَمَال بَرَاهِينَه وَاتِّضَاح آَيَاتِه وَكَوْنُه هُو دِيْن الْعَقْل وَالْعِلْم وَدِيْن الْفِطْرَة وَالْحِكْمَة وَدِيْن الْصَّلَاح وَالْإِصْلَاح وَدِيْن الْحَق وَالرُّشْد .
2- أَهْل الْكِتَاب لَا يَكْرَهُوْن عَلَى الْإِسْلَام، وَتَقَبَّل مِنْهُم الْجِزْيَة، وَقَد اسْتَدَل كَثِيْر مِن أَهْل الْعَلِم عَلَى جَوَاز أَخْذ الْجِزْيَة مِن غَيْر أَهْل الْكِتَاب، أَمَّا الْمُرْتَد وَعَبَدَة الْأَوْثَان فَلَا يُقْبَل مِنْهُم إِلَّا الْإِسْلَام.
3- الْنَّاسِخ لَا يَكُوْن نَاسِخَا إِلَا إِذَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوْخ.
4- الْآَيَة قَد تَنـزَل فِي خَاص مِن الْأَمْر، ثُم يَكُوْن حُكْمُهَا عَاما فِي كُل مَا جَانَس الْمَعْنَى الَّذِي أُنـزِلْت فِيْه.
5- لَا مُنَافَاة بَيْن مَعْنَى الْآَيَة وَبَيْن الْآَيَات الْكَثِيْرَة الْمُوْجِبَة لِلْجِهَاد، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ فَرَض الْقِتَال مِن نُصُوْص أُخَر.
6- لَا تَنْطَبِق الْآَيَة عَلَى الْمُخَالِفِيْن الْمُنْتَسِبِيْن لِلْإِسْلَام؛ لِأَن الدَّيْن وَاحِد، لَا تّعَدّدَيْه فِيْه، فَالْعَقِيْدَة وَاحِدَة، لَا اخْتِلاف فِيْهَا.
وَاللَّه أَعْلَم وَصَلَّى الْلَّه وَسَلَّم وَبَارَك عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد وَعَلَى آَلِه وَصَحْبِه أَجْمَعِيْن.
❀--✿
الْمَرَاجِع:
1- [تفسير الطبري ج3، ص14-18].
2- [تفسير السمعاني ج1، ص259 – 260].
3- [تفسير القرطبي ج3، ص 280-281].
4- [تفسير السعدي ص121].
5- [أحكام في القرآن الكريم للشيخ محمد العثيمين ج2، ص256].
❀--✿
مَنْقُوْل لِتَعُم الْفَائِدَة
http://www.ebtsm.net/vb/images/icons/4545545454.gif
وَقْفَة تَأَمُّل مَع قَوْلُه تَعَالَى: (لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن)
إِعْدَاد
عَبْد الْلَّه بْن حُمَيْد الْفْلاسِي
بِسْم الْلَّه الْرَّحْمَن الْرَّحِيْم
الْحَمْد لِلَّه رَب الْعَالَمِيْن، وَالْصَّلاة وَالْسَّلام عَلَى أَشْرَف الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسَلِيِن، أَمَّا بَعْد:
فَفِي هَذَا الْمَقَال سَأَقِف وِقْفَة تَأَمَّل مَع قَوْلُه تَعَالَى: ((لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن)) [الْبَقَرَة: 256] وَالْسَّبَب فِي ذَلِك: مَا ذَهَب إِلَيْه الْبَعْض فِي تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة، فَمِنْهُم مَّن أَنُزَالَهَا فِي غَيْر مَحَلِهَا، وَمِنْهُم فَسَّرَهَا الْتَّفْسِيْر الْمَرْجُوْح، وَالْلَّه الْمُوَفِّق وَالْهَادِي إِلَى سَوَاء الْسَّبِيل.
يُخْبِر سُبْحَانَه وَتَعَالَى فِي هَذِه الْآَيَة أَنَّه لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن لِعَدَم الْحَاجَة إِلَى الْإِكْرَاه عَلَيْه؛ لِأَن الْإِكْرَاه لَا يَكُوْن إِلَّا عَلَى أَمْر خَفِيَّة أَعْلَامَه، غَامِضَة أَثَارَه، أَو أَمْر فِي غَايَة الْكَرَاهَة لِلْنُّفُوس، وَأَمَّا هَذَا الْدِّيْن الْقَوِيم وَالْصِّرَاط الْمُسْتَقِيْم فَقَد تَبَيَّنَت أَعْلَامَه لِلْعُقُوْل، وَظَهَرَت طُرُقِه، وَتَبَيَّن أَمْرِه، وَعُرِف الرُّشْد مِن الْغَي، فَالْمُوَفَّق إِذَا نَظَر أَدْنَى نَظَر إِلَيْه آَثَرَه وَاخْتَارَه، وَأَمَّا مَن كَان سَيِّئ الْقَصْد فَاسِد الْإِرَادَة، خَبِيْث الْنَّفْس يُرَى الْحَق فَيَخْتَار عَلَيْه الْبَاطِل، وَيُبْصِر الْحَسَن فَيَمِيْل إِلَى الْقَبِيْح، فَهَذَا لَيْس لِلَّه حَاجَة فِي إِكْرَاهِه عَلَى الْدِّيْن، لِعَدَم الْنَّتِيجَة وَالْفَائِدَة فِيْه، وَالْمَكْرَه لَيْس إِيْمَانُه صَحِيْحا.
❀--✿
وَقَد اخْتُلِف الْمُفَسِّرُوْن فِي تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة إِلَى سِتَّة أَقْوَال، وَهِي كَالْتَّالِي:
الْقَوْل الْأَوَّل: هَذِه الْآَيَة مَنْسُوْخَة، وَإِنَّمَا نـزِلْت قَبْل أَن يُفْرَض الْقِتَال، وَرُوِي هَذَا عَن ابْن مَسْعُوْد وَكَثِيْر مِن الْمُفَسِّرِيْن .
الْقَوْل الْثَّانِي: لَا يُكْرَه أَهْل الْكِتَاب عَلَى الْدِّيْن إِذَا بَذَلُوْا الْجِزْيَة، وَلَكِنَّهُم يُقِرُّون عَلَى دِيْنِهِم. وَقَالُوْا: الْآَيَة فِي خَاص مِن الْكُفَّار، وَلَم يُنْسَخ مِنْهَا شَيْء، وَهُو قَوْل الْشَّعْبِي وَقَتَادَة وَحَسُن وَالْضَّحَّاك .
الْقَوْل الْثَّالِث: نَزَلَت فِي الْمَرْأَة مِن أَهْل الْمَدِيْنَة كَان لَا يَعِيْش لَهَا وَلَدَا، فَكَانَت تُنْذِر وَتَقُوْل: إِن عَاش لِي وَلَد لأَهُودِنّه، فَإِذَا عَاش لَهَا وَلَد، جَعَلْتَه بَيْن الْيَهُوْد، فَلَمَّا جَاء الْإِسْلَام، وَأَجْلَى رَسُوْل الْلَّه بَنِي الْنَّضِيْر إِلَى الْشَّام، بَقِي بَيْنَهُم عَدَد مِن أَوْلَاد الْأَنْصَار قَد هَوَّدُوا، فَاسْتَأْذَنُوا رَسُوْل الْلَّه فِي اسْتِرْدَادَهُم، فَنَزَلَت الْآَيَة (لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن) فَمَن شَاء مِنْهُم أَن يُدْخَل فِي الْإِسْلَام فَلْيَدْخُل، وَمَن لَم يَشَأ فَلَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن، وَرُوِي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَهُو قَوْل سَعِيْد بْن جُبَيْر، وَمُجَاهِد.
الْقَوْل الْرَّابِع: نـزِلْت هَذِه الْآَيَة فِي رَجُل مِن الْأَنْصَار، يُقَال لَه: أَبُو حُصَيْن كَان لَه ابْنَان، فَقَدِم تُجَّار مِن الْشَّام إِلَى الْمَدِيْنَة يَحْمِلُوْن الْزَّيْت، فَلَمَّا أَرَادُوْا الْخُرُوْج أَتَاهُم ابْنَا الْحُصَيْن، فَدَعَوْهُمَا إِلَى الْنَّصْرَانِيَّة، فتُنَصْرا وَمَضَيّا مَعَهُم إِلَى الْشَّام، فَأَتَى أَبُوْهُمَا رَسُوْل الْلَّه صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم مُشْتَكِيا أَمَرَهُمَا، وَرُغِّب فِي أَن يَبْعَث رَسُوْل الْلَّه صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم مَن يَرُدَّهُمَا، فَنَزَلَت
((لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن))، وَهُو قَوْل الْسُّدِّي.
الْقَوْل الْخَامِس: هُو لَا تَقُوْلُوْا لِمَن أَسْلَم تَحْت الْسَّيْف مُجْبَرَا مُكْرَهَا.
الْقَوْل الْسَّادِس: أَنَّهَا وَرَدَت فِي الْسَّبْي مَتَى كَانُوْا مِن أَهْل الْكِتَاب لَم يُجْبَرُوْا إِذَا كَانُوْا كِبَارَا، وَإِن كَانُوْا مَجُوْسا صِغَارَا أَو كُبَّارا أَو وَثَنِيِّيْن، فَإِنَّهُم يُجْبَرُوْن عَلَى الْإِسْلَام؛ لِأَن مَن سَبَاهُم لَا يُنْتَفَع بِهِم مَع كَوْنِهِم وَثَنِيِّيْن، لِأَنَّه لَا تُؤْكَل ذَبَائِحُهُم، وَلَا تُوْطَأ نِسَاؤُهُم، وَيَدِيْنُوْن بِأَكْل الْمَيْتَة وَالْنَّجَاسَات وَغَيْرِهِمَا، وَيُسْتَقْذَرِهُم الْمَالِك لَهُم، وَيَتَعَذَّر عَلَيْه الِانْتِفَاع بِهِم مِن جِهَة الْمَلِك، فَجَاز لَه الْإِجْبَار.
وَالْقَوْل الْرَّاجِح هُو مَا رَجَّحَه الْطَّبَرِي وَالْسَّعْدِي- رَحِمَهُمَا الْلَّه - وَهُو الْقَوْل الْثَّانِي، وَالْدَّلِيل عَلَى ذَلِك:
أَن الْنَّص لَا يُعْتَبَر نَاسِخَا إِلَا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوْخ، فَلَم يَجُز اجْتِمَاعِهِمَا. فَأَمَّا مَا كَان ظَاهِرَه الْعُمُوْم مِن الْأَمْر وَالْنَّهْي، وَبَاطِنَه الْخُصُوْص، فَهُو مِن الْنَّاسِخ وَالْمَنْسُوْخ بِمَعْزِل، وَلَيْس هُنَاك دَلِيْل عَلَى أَن تَأْوِيْل الْآَيَة عَلَى خِلَاف ذَلِك.
وَأَمَّا مَا نُقِل عَن الْنَّبِي صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَنَّه لَم يَقْبَل مِن قَوْم إِلَّا الْإِسْلَام، وَحُكْم بِقَتْلِهِم إِن امْتَنَعُوْا، فَهَذَا كَان لِعَبْدَة الْأَوْثَان مِن مُشْرِكِي الْعَرَب، وَكَالْمُرْتد عَن دِيْنِه دِيَن الْحَق إِلَى الْكُفْر وَمَن أَشْبَهَهُم، وَتَرْك الْإِكْرَاه وَقَبُوْل الْجِزْيَة لِأَهْل الْكِتَاب وَمَن أَشْبَهَهُم.
إِذَّا لَا مَعْنَى لِمَن قَال بِأَن هَذِه الْآَيَة مَنْسُوْخَة بِالْإِذْن بِالْقِتَال، وَلَا تُدِل الْآَيَة الْكَرِيْمَة عَلَى تَرْك قِتَال الْكُفَّار الْمُحَارِبِيْن، وَإِنَّمَا فِيْهَا أَن حَقِيْقَة الْدِّيْن مِن حَيْث هُو مُوَجَّب لِقَبُوْلِه لِكُل مُنْصِف قَصْدُه اتِّبَاع الْحَق، وَأَمَّا الْقِتَال وَعَدَمِه فَلَم تَتَعَرَّض لَه، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ فَرَض الْقِتَال مِن نُصُوْص أُخَر، وَلَكِن يَسْتَدِل بِهَذِه الْآَيَة الْكَرِيْمَة عَلَى قَبُوْل الْجِزْيَة مِن غَيْر أَهْل الْكِتَاب، كَمَا هُو قَوْل كَثِيْر مِن الْعُلَمَاء.
أَمَّا مَا رُوِي عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الْلَّه عَنْه - أَنَّهَا نَزَلَت فِي قَوْم مِن الْأَنْصَار أَرَادُوْا أَن يَكْرَهُوْا أَوْلَادُهُم عَلَى الْإِسْلَام، فَنَقُوْل:
الْآَيَة قَد تَنـزَل فِي خَاص مِن الْأَمْر، ثُم يَكُوْن حُكْمُهَا عَامّا فِي كُل مَا جَانَس الْمَعْنَى الَّذِي أُنـزِلْت فِيْه.
فَالْآَيَة نَزَلَت فِي قَوْم دَانُوَا بِدِيْن أَهْل الْتَّوْرَاة، قَبْل ثُبُوْت عَقْد الْإِسْلَام لَهُم، فَنَهَى الْلَّه تَعَالَى ذِكْرُه عَن إِكْرَاهِهِم عَلَى الْإِسْلَام، وَأَنـزَل بِالْنَّهْي عَن ذَلِك آَيَة يَعُم حُكْمُهَا كُل مَن كَان فِي مِثْل مَعْنَاهُم، مِمَّن كَان عَلَى دِيَن مَن الْأَدْيَان الَّتِي يَجُوْز أَخْذ الْجِزْيَة مِن أَهْلِهَا، وَإِقْرَارِهِم عَلَيْهَا.
وَبِهَذَا يَتَّضِح خَطَأ مَا قَالَه الْبَعْض مِن أَهْل الْأَهْوَاء وَغَيْرِهِم، عِنْد مُنَاقَشَتِه، وَبَيَان الْحِجَّة عَلَيْه، يَقُوْل: ((لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن))، ((لَكُم دِيْنُكُم وَلِي دِيَن))؛ لِأَن الدَّيْن الْإِسْلَامِي دِيَن وَاحِد، دِيَن مُتَكَامِل، عَقِيْدَتِه وَاحِدَه، لَا يُمْكِن أَن يَكُوْن دِيْنَا مُتَكَامِلَا، وَدِينَا نُسَخ بِه جَمِيْع الْأَدْيَان، وَفِي نَفْس الْوَقْت بِه هَذِه التَّعَدُّدِيَّة فِي الْعَقِيْدَة.
يَقُوْل الْشَّيْخ مُحَمَّد بْن صَالِح الْعُثَيْمِيْن - رَحِمَه الْلَّه – فِي تَفْسِيْر هَذِه الْآَيَة:
« ( لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن ) أَي لَا أَحَد يُكْرَه فِي دِيَن الْلَّه بَل مَن دَخَل فِي دِيَن الْلَّه دَخَلَه اخْتِيَارَا لِأَنَّه قَد تَّبَيَّن الرُّشْد مِن الْغَي فَأَي إِنْسَان يَتَأَمَّل الْإِسْلَام بِمَحَاسِنِه عُبَادَة وَأَدَبا وَخُلُقَا لَا بُد أَن يَدْخُل الْإِسْلَام مُخْتَارا لِأَنَّه فِطْرَة الْلَّه وَلِهَذَا قَال : ( قَد تَّبَيَّن الرُّشْد مِن الْغَي ) وَهَذِه الْجُمْلَة تَعْلِيْل لِلْحُكْم الْسَّابِق أَي :لَا إِكْرَاه فِي الْدِّيْن لِأَنَّه تَبَيَّن الرُّشْد مِن الْغَي فَمَن دَخَل فِي الْدِّيْن دَخَلَه اخْتِيَارَا لَا بِإِكْرَاه وَلَيْس مَعْنَى الْآَيَة كَمَا يَظُن بَعْض الْنَّاس : لَا إِكْرَاه عَلَى الْدِّيْن وَأَن هَذِه الْآَيَة قَد نُسِخَت لِوُجُوْب الْجِهَاد .
لِأَن الْآَيَة لَا تَدُل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَل الْجِهَاد قَائِم لِمَن عَانَد وَاسْتَكْبَر وَأَمَّا مَن تَمْشِى عَلَى الْفِطْرَة فَلَا يَحْتَاج إِلَى جِهَاد وَلَا إِكْرَاه عَلَى الْدِّيْن وَالْمُرَاد بِالْدِّيْن هُنَا دِيَن مُحَمَّد صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِأَنَّه هُو الْدِّيْن الْمَقْبُوْل عِنْد الْلَّه قَال تَعَالَى (إِن الْدِّيْن عِنْد الْلَّه الْإِسْلام ) وَقَال تَعَالَى : ( وَمَن يَبْتَغ غَيْر الْإِسْلام دِيْنا فَلَن يُقْبَل مِنْه)... » أ.هـ
❀--✿
الْفَوَائِد الْمُسْتَفَادَة:
1- بَيَان كَمَال هَذَا الْدِّيْن، وَأَنَّه لِكَمَال بَرَاهِينَه وَاتِّضَاح آَيَاتِه وَكَوْنُه هُو دِيْن الْعَقْل وَالْعِلْم وَدِيْن الْفِطْرَة وَالْحِكْمَة وَدِيْن الْصَّلَاح وَالْإِصْلَاح وَدِيْن الْحَق وَالرُّشْد .
2- أَهْل الْكِتَاب لَا يَكْرَهُوْن عَلَى الْإِسْلَام، وَتَقَبَّل مِنْهُم الْجِزْيَة، وَقَد اسْتَدَل كَثِيْر مِن أَهْل الْعَلِم عَلَى جَوَاز أَخْذ الْجِزْيَة مِن غَيْر أَهْل الْكِتَاب، أَمَّا الْمُرْتَد وَعَبَدَة الْأَوْثَان فَلَا يُقْبَل مِنْهُم إِلَّا الْإِسْلَام.
3- الْنَّاسِخ لَا يَكُوْن نَاسِخَا إِلَا إِذَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوْخ.
4- الْآَيَة قَد تَنـزَل فِي خَاص مِن الْأَمْر، ثُم يَكُوْن حُكْمُهَا عَاما فِي كُل مَا جَانَس الْمَعْنَى الَّذِي أُنـزِلْت فِيْه.
5- لَا مُنَافَاة بَيْن مَعْنَى الْآَيَة وَبَيْن الْآَيَات الْكَثِيْرَة الْمُوْجِبَة لِلْجِهَاد، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ فَرَض الْقِتَال مِن نُصُوْص أُخَر.
6- لَا تَنْطَبِق الْآَيَة عَلَى الْمُخَالِفِيْن الْمُنْتَسِبِيْن لِلْإِسْلَام؛ لِأَن الدَّيْن وَاحِد، لَا تّعَدّدَيْه فِيْه، فَالْعَقِيْدَة وَاحِدَة، لَا اخْتِلاف فِيْهَا.
وَاللَّه أَعْلَم وَصَلَّى الْلَّه وَسَلَّم وَبَارَك عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد وَعَلَى آَلِه وَصَحْبِه أَجْمَعِيْن.
❀--✿
الْمَرَاجِع:
1- [تفسير الطبري ج3، ص14-18].
2- [تفسير السمعاني ج1، ص259 – 260].
3- [تفسير القرطبي ج3، ص 280-281].
4- [تفسير السعدي ص121].
5- [أحكام في القرآن الكريم للشيخ محمد العثيمين ج2، ص256].
❀--✿
مَنْقُوْل لِتَعُم الْفَائِدَة
http://www.ebtsm.net/vb/images/icons/4545545454.gif